جلال الدين السيوطي

134

الإتقان في علوم القرآن

افترقت فيه في نوع الأدوات « 1 » . ونورد هنا فائدة زائدة ، قال الخويّي : أصل أدوات النفي ( لا ) و ( ما ) لأنّ النفي إمّا في الماضي وإمّا في المستقبل ، والاستقبال أكثر من الماضي أبدا ، و ( لا ) أخفّ من ( ما ) فوضعوا الأخفّ للأكثر . ثم إنّ النفي في الماضي : إمّا أن يكون نفيا واحدا مستمرّا ، أو نفيا فيه أحكام متعدّدة ، وكذلك النّفي في المستقبل ؛ فصار النفي على أربعة أقسام ، واختاروا له أربع كلمات : ما ، ولم ، ولن ، ولا . وأما إن ولمّا فليسا بأصلين . فما ولا في الماضي والمستقبل متقابلان ، ولم كأنه مأخوذ من ( لا ) و ( ما ) ، لأنّ ( لم ) نفي للاستقبال لفظا والمضيّ معنى ، فأخذ اللّام من ( لا ) التي هي لنفي المستقبل ، والميم من ( ما ) التي هي لنفي الماضي ، وجمع بينهما إشارة إلى أنّ في ( لم ) إشارة إلى المستقبل والماضي ، وقدّم اللّام على الميم إشارة إلى أنّ ( لا ) هي أصل النفي ؛ ولهذا ينفى بها في أثناء الكلام ، فيقال : لم يفعل زيد ولا عمرو . وأمّا ( لمّا ) فتركيب بعد تركيب ، كأنه قال : ( لم ) و ( ما ) لتوكيد معنى النفي في الماضي ، وتفيد الاستقبال أيضا ، ولهذا تفيد ( لمّا ) الاستمرار . تنبيهات « 2 » الأول : زعم بعضهم أنّ شرط صحة النفي عن الشيء صحّة اتصاف المنفيّ عنه بذلك الشيء ، وهو مردود بقوله تعالى : وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 132 ] ، وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [ مريم : 64 ] ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ [ البقرة : 255 ] ، ونظائره . والصّواب : أنّ انتفاء الشيء عن الشيء قد يكون لكونه لا يمكن منه عقلا ، وقد يكون لكونه لا يقع منه مع إمكانه . الثاني : نفي الذات الموصوفة : قد يكون نفيا للصفة دون الذات ، وقد يكون نفيا للذّات - أيضا - . من الأول : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ [ الأنبياء : 8 ] أي : بل هم جسد يأكلونه . ومن الثاني : لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً [ البقرة : 273 ] أي : لا سؤال لهم

--> ( 1 ) وهو النوع الأربعون - فيما سبق - . ( 2 ) انظر البرهان 2 / 376 - 388 .